“الجفير” اقتفاء الأثر على الرمال

تعود جذورها إلى القيافة العربية
23:58 مساء
قراءة 4 دقائق
الشارقة - "الخليج":
مما لا شك فيه أن الكثير من المهن التي تعرفها المجتمعات الإنسانية، تنشأ وتزدهر وتختفي نتيجة متغيرات الحياة، فما كانت تحتاجه المجتمعات في مراحل ما من عمرها، قد تستغني عنه في مراحل أخرى، مما يفضي إلى انقراض مهن وظهور مهن جديدة .
إن الكثير من المهن اليوم التي يعمل فيها أهل المعمورة لم تكن موجودة قبل عقود مضت، ولم تتخيل المجتمعات ظهورها أو العمل بها، وكذلك لم تكن تتوقع زوال بعضها، فالكثير من المجتمعات الريفية ظلت تعتقد أن "السقا" الذي يجلب الماء إلى البيت لن يكف يوماً عن التوقف .
هذا ما ينطبق تماماً على مهنة الجفير في الثقافة الشعبية الإماراتية، فالجفير مهنة مقتفي الأثر، ظلت سائدة في زمن كانت فيه الحياة تسير على رمال الصحراء الشاسعة، حيث تبنى البيوت قريباً من مصادر الماء، ويمكن للقوافل، والمواشي، والأطفال، أن يضيعوا في عرض الصحراء، ويصبحوا وسط بحر من الرمال لا يعرفون حدوده، ولا يستطيعون الاهتداء بأي شجر أو بشر كي يعودوا أدراجهم .
من تلك الحوادث ظهرت حرفة اقتفاء الأثر، حيث ذلك الشخص الذي يتبع آثار خطى السائرين على الرمال، ويعرف بأي الاتجاهات مضوا، مستعيناً بخبرة في معرفة الرمل، وحركة الرياح وشكل الأثر وحجمه، فكان المجتمع البدوي الإماراتي يستعين بقصاصي الأثر للعثور على ضالتهم، أو للحاق بقوم ضاعوا في الصحراء .
ظهرت هذه المهنة نتيجة حاجة المجتمع إليها، فمع تكرار الحاجة لمن يعرف آثار السائرين على الرمال، بات هناك من يتخصص في هذا، يورث خبرته لأبنائه، حتى أصبح قص الأثر حرفة تشكل واحدة من أجزاء التراث الإماراتي القديم، وهي في واقع الأمر مهنة عرفتها المجتمعات البدوية كافة، والقبائل كلها التي تعيش في الصحراء .
وتعود الجفير في أصلها إلى القيافة في التراث العربي القديم، ويقسم القيافة إلى قسمين: قيافة البشر، وقيافة الأثر، الأول هو الاستدلال على النسب من خلال الملامح، فكان الواحد منهم يستطيع أن يُلحق المولود بأمه أو أبيه . أما (قيافة الأثر) فهو الاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر . وقد ذكر الباحث يوسف العدان في كتابه "أياد من ذهب" أن قصاص الأثر كان يميز قدم المرأة الحامل، أو المتزوجة من غيرها . وتذكر مصادر التراث العربي القديم أن العرب بشكل عام والبدو بشكل خاص انفردوا بهذا العلم من دون غيرهم من الأمم ولهم في ذلك مهارة عجيبة، لا يكاد يجاريهم فيها أحد، معتمدين على الفطنة، ودقة الملاحظة والذكاء الفطري . واستطاعت المأثورات تخليد بعض وقائع اقتفاء الأثر بشكل يكاد يرقى في بعض الأحيان إلى مستوى الأساطير والخوارق .
ويحتل قصاصو الأثر في البادية مكانة عالية لما يقدمونه من دور كبير في استقرار المجتمع البدوي من خلال الكشف عن أسرار كل عمل أو فعل قد يلطخ به فاعله سمعة العشيرة . وهناك قصاصون مشهورون يقوم البدو باستدعائهم لتتبع الأثر حين تدعو الحاجة إلى ذلك، وهم يتميزون بمهارات خاصة تمكنهم من أداء مهامهم بنجاح .
وتعود أهمية قص الأثر إلى أنه من أهم الأساليب التي تؤدي إلى اكتشاف الكثير من الحوادث الغامضة في المجتمع البدوي، ومن الأسباب التي زادت من أهمية قص الأثر، طبيعة الأرض الصحراوية: إذ من السهل أن تترك حركة الإنسان أو الحيوان مهما كانت خفيفة أثراً واضحاً على الأرض الصحراوية لأنها رملية بطبيعتها، وقلة السكان في الصحراء حيث يسهل ملاحظة أي أثر جديد، كما يسهل ذلك على القصاص تتبع الأثر لمسافات بعيدة . إضافة إلى التخوف من الأثر الغريب: فالبدوي حذر دائم الانتباه لما يدور حوله، وهو يهتم بملاحظة الآثار الجديدة فوق الصحراء، يدفعه ذلك الخوف من الخطر على نفسه أو على أفراد عشيرته أو الخوف على مواشيه، وكذلك دفع الأخطار:إذ يتتبع البدوي آثار الحيوانات المختلفة المفترسة مثل الضباع والذئاب .
وتبدأ مقدرة قص الأثر عادة بالتعرف إلى آثار أقدام الأهل والأصدقاء ثم أفراد العشيرة، وبعدها تتدرج إلى آثار أقدام الآخرين الأغراب، ومن هذه الخاصية اشتهرت بعض العشائر بوجود عدد من أفرادها قد احترفوا هذا العمل بعد مران طويل وصبر وجلد، والحكايات في هذا المجال كثيرة، فيذكر "أن أحد الأشخاص سافر ليلا إلى مضارب فريق آخر من عشيرته بقصد زيارة فتاة يحبها، وحين اقترب من البيوت تبعته الكلاب وتبعه أهل البيوت وبعدها رماهم بعدة طلقات من بندقيته فتركوه وعادوا إلى مضاربهم أما هو فغير حذاءه بحذاء آخر ثم ذهب إليهم من جهة أخرى مستفسراً عن أحوالهم فأعلموه بما حدث . وكان قد خبأ الحذاء الأول الذي كان يستعمله أثناء ذلك . وبعد مرور سنة على الحادث، بدأ يستعمل ذلك الحذاء، فتعرف أحد البدو إلى الأثر، وقال إن صاحب هذا الحذاء هو من أطلق عليهم النار منذ سنة" .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"