القدس بلا فلسطينيين!

02:32 صباحا
قراءة 5 دقائق
حلمي موسى
شكلت سياسة هدم المنازل ومصادرة الأراضي منهجاً عاماً للاحتلال «الإسرائيلي» على مدى السنين. وانطلقت هذه السياسة من مبدأ الترسيخ الذي يقوم على أساس أن تدمير وإزالة كل مكتسب عربي فلسطيني، يسهّل على الاحتلال ترسيخ مكتسباته. وكانت سياسة هدم المنازل ومصادرة الأراضي في القدس المحتلة عنواناً من عناوين تكريس عملية تهويد المدينة، والأراضي العربية عامة.
على الدوام وبعيداً حتى عن صور وآليات هدم المنازل في المدن والأحياء منذ العام 1948 وحتى حرب يونيو 1967؛ فإن سياسة هدم المنازل اتخذت صورة أخرى لها بعد العام 1967. وبحسب تقارير متعددة، فإن عدد البيوت التي هدمت منذ هزيمة يونيو 1967 وحتى العام 2015ن بلغ 48488 مبنى. وكانت التبريرات لهدم كل هذه المباني، إما ذرائع أمنية أو ادعاء مخالفتها لقوانين ولوائح البناء التي حاولت «إسرائيل» فرضها لتسهيل عمليات الاستيطان ومنع التمدد السكاني. وعلى الرغم من أن القانون الدولي وفق كل التفسيرات يرفض إجراءات الاحتلال ويعتبرها انتهاكاً لمبادئه ولاتفاقيات جنيف؛ فإن ذلك لم يمنع من الاستمرار فيها.
وتشهد كل المعطيات المتوفرة على أن نصيب القدس من عواقب سياسة هدم المنازل ومصادرة الأراضي كان كبيراً، فقد أن اتبع الاحتلال هذه السياسة في القدس بعدوانية وعنجهية أكبر مما هو في باقي الأراضي المحتلة، بذرائع شتى أبرزها «توحيد المدينة»، و«فرض السيادة والقانون «الإسرائيلي» عليها.
وقد ترافقت هذه السياسة مع وضع نظام يعرقل حصول الفلسطينيين على تراخيص بناء بدعوى عدم وجود خرائط هيكلية، واعتبار كل بناء يقام غير مرخص وغير شرعي وواجب الهدم.
وأفادت كل الأبحاث والتحقيقات التي أجريت بهذا الشأن، أن الاحتلال ممثلاً في بلدية القدس، وضع منهجية بيروقراطية معرقلة تتطلب مرور سنوات قبل أن يحصل المقدسي على ترخيص لبناء بيت على أرضه. وكان الهدف الجلي من وراء ذلك، هو تحجيم وتقليص الوجود السكاني العربي في المدينة المقدسة.
وتشير إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2017، إلى أن عدد المساكن المهدومة في القدس منذ العام 2000 وحتى نهاية العام 2017 بلغ 1859 مسكناً، وأن عدد المتضررين مباشرة من ذلك بلغ حوالي عشرة آلاف فلسطيني، ولكن تقارير فلسطينية أخرى تحدثت عن هدم ما لا يقل عن خمسة آلاف مسكن في القدس، بذريعة عدم الحصول على تراخيص بناء. كما أن تقرير الجهاز المركزي للإحصاء بشأن هدم المنازل في الضفة بمناسبة «يوم الأرض» في 30 مارس 2018، أشار إلى أن الاحتلال هدم في العام 2017، 433 مبنى، حوالي نصفها في القدس، وأن سلطات الاحتلال أصدرت خلال ذلك العام أوامر بهدم أكثر من ألف مبنى في الضفة والقدس.
ومن المؤكد أن أية نظرة مدققة يمكنها أن تكشف أن عمليات هدم البيوت ترتبط أيضاً بمخططات بناء مستوطنات جديدة. وهذه العملية تجري على الدوام بشكل متوازٍ لتأكيد مبدأ التبديد والترسيخ. وهكذا كلما ازدادت عمليات الهدم، كلما سهلت عملية إقرار وبناء وحدات استيطانية جديدة، وهذا الأمر يتأكد عند النظر إلى عمليات احتلال الأرض والبيوت داخل الأحياء العربية في القدس الشرقية، وفيما بينها، لتقطيع كل تواصل ممكن بين هذه الأحياء. وهذا ما يحدث في محيط قلنديا، حيث المطار، من أجل منع التواصل مع رام الله، وفي المكبر، والعيسوية، والشيخ جراح، وباقي ضواحي القدس.
وأشار تقرير عن هدم المنازل صادر عن مركز عبدالله الحوراني للدراسات والتوثيق التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلى أن سلطات الاحتلال هدمت العام 2018، 68 منزلاً، و178 منشأة في محافظة القدس، بينها 15 بيتاً ومنشأة تمت مصادرتها.
وتناول التقرير التوزع الجغرافي لعمليات الهدم التي طالت تقريباً كل الأحياء العربية، من بيت حنينا إلى الطور، مروراً بسلوان وجبل المكبر وشعفاط وقلنديا وصور باهر. وقد أضيف مؤخراً إلى الهدم، قرار هدم قرية الخان الأحمر وترحيل أهلها بعيداً عنها، من أجل تنفيذ مشروع «E1» الرامي لفصل شمالي الضفة عن جنوبيها. وتتحدث التقارير مؤخراً عن مشروع في الجهة المعاكسة يسمى «E2»، ويرمي إلى إنشاء حاجز استيطاني يهودي بين القدس وبيت لحم. وتتحدث جهات سياسية فلسطينية عن أن هدم المنازل يعد تعبيراً منهجياً عن فكر يهودي يهدف إلى تحقيق غايات مختلفة، بينها الإثقال على المواطنين اقتصادياً، وإضعاف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على التطور. وتشهد المعطيات على أن عمليات الهدم في العام 2018 ارتفعت بنسبة 24% عما كانت عليه في العام 2017.
وتطالب كثير من الجهات السياسية والحقوقية الفلسطينية، السلطة بنقل ملف هدم البيوت إلى المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة، وكشف الدوافع الإجرامية له. وعلى كل حال ومع تزايد الأزمة السياسية في «إسرائيل» وصولاً إلى تقديم موعد الانتخابات العامة، تتبارى الأحزاب اليمينية داخل ائتلاف نتنياهو الحاكم في إظهار مدى تطرفها، وخصوصاً في القدس. ولهذا السبب تزايدت بشكل كبير عمليات هدم المنازل في القدس بذرائع شتى، في وقت تكثفت فيه عمليات المصادقة على توسيع المستوطنات.
ومؤخراً عرضت خطة توسيع مستوطنة «إفرات» جنوبي بيت لحم عبر بناء 2500 وحدة استيطانية على أراضي خربة الخلة. كما وزعت سلطات الاحتلال إخطارات على أصحاب الأراضي الفلسطينيين تفيد بمصادرة حوالي 1182 دونماً، بنية إنشاء مزرعة نموذجية للمستوطنين والتخطيط لبناء وحدات استيطانية جديدة عليها. وترمي هذه الخطة إلى تشكيل حاجز استيطاني بين بيت لحم والخليل في غوش عتسيون، يوازي ذلك الحاجز بين القدس وأريحا.
ومقابل ما يجري من هدم للمنازل الفلسطينية في محيط القدس لإنشاء المستوطنات، تتزايد عمليات هدم المنازل والاستيلاء عليها داخل أحياء القدس وفي البلدة القديمة وسلوان. وأفاد آخر تقرير عن هذه العمليات بأن سلطات الاحتلال عبر بلدية القدس، هدمت منازل لعائلة المغربي قرب مستوطنة «عطروت» الصناعية القائمة على أراضي قلنديا. كما أنها تستغل الحفريات التي تجريها في منطقة سلوان، للتسبب بأضرار لبيوت الفلسطينيين هناك.
وقد تضرر ما لا يقل عن 70 منزلاً في حي وادي حلوة في سلوان، بسبب الحفريات التي أدت أيضاً إلى انهيار جزء من محيط جامع العين. ومعروف أنه من هناك تبدأ حفريات ترمي لبناء نفق يتجه إلى أسفل الحرم القدسي، وباحة البراق المجاورة.
ومن المؤكد أن حكومة الاحتلال وأحزابها التي ترعى جمعيات استيطانية، تحاول قدر استطاعتها تنفيذ أكبر قدر ممكن من عمليات هدم المنازل العربية ومصادرة الأراضي، وإنشاء الوحدات الاستيطانية داخل القدس وفي محيطها، بهدف تكريس تهويد المدينة. وقد تعمقت هذه الجهود أكثر بعد اعتراف إدارة ترامب الأمريكية بالقدس عاصمة للاحتلال، وبعد الموقف العربي والدولي الباهت من هذا الاعتراف. ولكن، كما كان الحال في الماضي، يزداد تمسك الفلسطينيين بأرضهم ومقاومتهم للاحتلال، وإيمانهم بأنهم رأس حربة المقاومة العربية للمشروع الاستيطاني الرامي إلى تبديد الحق العربي عموماً في فلسطين.

[email protected]

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"