الأزمة النووية الكورية.. استراحة محارب

02:42 صباحا
قراءة 4 دقائق
د. محمد فراج أبو النور*

مرة أخرى يعود التوتر ليخيم على أجواء العلاقات الأمريكية- الكورية الشمالية، وتشير الشواهد إلى أن الفترة المتبقية من ولاية الرئيسي الأمريكي ترامب لن تشهد أي تقدم في المحادثات بين الطرفين حول قضايا نزع السلاح النووي، أو حتى تخفيف التوتر في شبه الجزيرة.

المحادثات المتوقفة بين الجانبين لن تستأنف على الأرجح، ولو على مستوى متواضع، خاصة أن معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية تدخل مراحلها الأخيرة، بينما إدارة ترامب غارقة في مشكلات معالجتها المرتبكة لأزمة فيروس كورونا، ثم جاءت الاضطرابات الجماهيرية العنيفة- بسبب مصرع المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد على يد الشرطة - لتزيد من متاعب ترامب، وإدارته.

انعدام الثقة

وإذا كان ترامب فشل في تحقيق أي شيء من وعوده البراقة لكوريا الشمالية في سنوات صعوده، ولم تسفر القمتان اللتان عقدهما مع (كيم جونج أون) في سنغافورة (يونيو/ حزيران 2018)، وهانوي (فبراير/ شباط 2019)، عن تحقيق أي تقدم جدّي في المفاوضات- برغم الآمال العريضة التي أحاطت بالقمتين- فقد كان طبيعياً أن تفقد بيونج يانج الثقة بقدرة ترامب على تحقيق نتائج جدية في تلك المفاوضات، في مواجهة (صقور) إداراته، خاصة وزير الخارجية بومبيو، فضلاً عن «صقور» الكونجرس، وجنرالات البنتاجون، وأجهزة المخابرات.

ومعروف أن قمة هانوي (فبراير/ شباط 2019) كانت انطلقت على أساس اتفاق مبدئي بتخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية، (ومن ثم الدولية)، الخانقة على كوريا الشمالية، مقابل التزام الأخيرة بوقف تجاربها النووية، والبدء بتفكيك منشآتها الذرية، في إطار اتفاق أشمل ينتهي بنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية بالكامل، (شمالاً وجنوباً) وإنهاء التوتر العسكري بين الكوريتين، وقيام تعاون اقتصادي بين واشنطن وسيؤول من ناحية، وبيونج يانج من ناحية ثانية، على أساس خطوات «متبادلة ومتزامنة». إلا أن صقور إدارة ترامب أفشلوا القمة بالإصرار على استمرار العقوبات.

صواريخ مجنحة

وقد شهدت الشهور القليلة، والأسابيع الماضية، تصعيداً للتوتر بسبب إصرار الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على إجراء مناورات بحرية وجوية مشتركة ضخمة، وإصرار كوريا الشمالية على إلغاء هذه المناورات، أو تقليصها إلى الحد الأدنى، واعتبارها «استفزازاً خطيراً»، و«تصعيداً للمواجهة».. وهو ما رفضته واشنطن وسيؤول.

ومن ناحية أخرى، فإن بيونج يانج قامت بإجراء تجارب واسعة النطاق على نماذج جديدة من الصواريخ المجنحة.. كما أشارت التقارير المخابراتية إلى بناء منشأة ضخمة تحت الأرض لتخزين الصواريخ الاستراتيجية، وما يشبه برجاً (أو صومعة) لإطلاق هذه الصواريخ الاستراتيجية، كما أشارت تقارير مخابراتية كورية جنوبية إلى صناعة كوريا الشمالية غواصة متقدمة قادرة على حمل صواريخ بعيدة المدى.. وأنها على وشك تدشينها خلال أيام.. وهو ما اعتبرته واشنطن وسيؤول تصعيداً خطيراً لسباق التسلح.

ومن ناحية أخرى، شهدت الأيام الأولى من شهر مايو/ أيار المنقضي اشتباكاً مسلحاً بين القوات الشمالية، والجنوبية، هو الأول من نوعه منذ خمس سنوات. وواضح أن هذه الضغوط العسكرية المتبادلة تزيد من حدة التوتر، وتجعل من الصعب إجراء أي محادثات. ومثل هذا الوضع لا يخفف من صدمة محاولات ترامب المعهودة للتودد إلى الزعيم الكوري الشمالي، مثل قوله - حينما اختفى كيم عن الأنظار لمدة 3 أسابيع - «إنني على علم جيد جداً بحالته الصحية»، و(أنا سعيد بظهوره، وأتمنى له صحة جيدة)- فمثل هذه العبارات لا تؤثر في الكوريين الشماليين ذوي الطابع العملي الصارم.

الصراع الصيني - الأمريكي

والواقع أن التصاعد المستمر والحاد للتوتر في العلاقات الأمريكية- الصينية، يمثل الخلفية العامة للتوتر في العلاقات بين واشنطن وبيونج يانج، من ناحية، وفي شرقي وجنوب شرق آسيا عموماً، من ناحية أخرى.

والحرب التجارية التي أعلنها ترامب ضد الصين، كان من الطبيعي أن تكون لها انعكاساتها السياسية.. ثم تصاعد التوتر أكثر مع تزايد الحشود الأمريكية في بحر الصين الجنوبي والمياه المجاورة له، في سياق سياسة أمريكية معلنة لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد- وتزايد التوتر أكثر مع توجه واشنطن لدعم تايوان عسكرياً، وعقد صفقات تسلح معها- خلاف الاتفاقات السابقة بين أمريكا والصين منذ سبعينات القرن الماضي- وكذلك دعم الولايات المتحدة لحركة المعارضة في هونج كونج- وهي قضايا شديدة الحساسية بالنسبة إلى بكين.

ثم جاء انفجار قضية نشأة وانتشار فيروس (كوفيد- 19)، والاتهامات المتبادلة بين واشنطن وبكين، وتهديدات ترامب المتكررة (بمعاقبة الصين)، وتهديدات الأخيرة بالرد، وجاء ذلك كله ليزيد من التوتر سوريا بصورة مطلقة.. فالدول العظمى تنظر إلى مصالحها في إطار استراتيجية كونية أوسع.. لكن المهم أن تكون هناك مصالح مشتركة أساسية مثل دحر الإرهاب، والحفاظ على كيان الدولة الوطنية.. وهو ما نعتقد أنه تحقق في سوريا نتيجة للتحالف بين دمشق، وموسكو.. وهناك أيضاً جهود إعادة الإعمار ومكافحة كورونا، وغير ذلك من المصالح المشتركة.

أما بالنسبة إلى تركيا فالمؤكد أن الوجود الروسي كان له دور كبير في كبح جماع الأطماع التركية في الأراضي السورية.. ولننظر إلى ما حدث في إدلب، وفي منطقة شرق الفرات.. وإلى الدور الروسي في الوساطة بين دمشق والأكراد، ونقل القوات السورية إلى حدود البلاد الشرقية، والشمالية، من دون إراقة دماء بعد انسحاب القوات الأمريكية منها.. ألم يكن ذلك كله تحقيقاً لمصالح الشعب السوري؟

أما بالنسبة للوجود الإيراني في سوريا، فإن روسيا تنظر إليه نظرة براجماتية راسخة، ضمانة للسلام في شبه الجزيرة الكورية المجاورة لحدودها.. وواقعياً يجنبها الاضطرار للحرب دفاعاً عن وجود كوريا الشمالية.

وبالتالي، فإن من الطبيعي أن يدعما الموقف الكوري الشمالي في مواجهة الضغوط الأمريكية.. خاصة في ظل التصعيد الذي يقوده ترامب، خاصة بعد أن مضى الأخير بعيداً جداً في رفع رايات القومية الأمريكية- حتى حسب رأي حلفائه الأوروبيين- من دون أخذ مصالح الحلفاء والمنافسين في الاعتبار بأي درجة.

ولذلك كله، فإننا نعتقد أن إسقاط ترامب في الانتخابات المقبلة قد أصبح هدفاً لكثيرين على الساحة الدولية، في مقدمتهم بكين، وموسكو، (وبيونج يانج). ولن يمد له أحد منهم يد المساعدة، خاصة أنه أصبح بالنسبة إليهم ممثلاً لاتجاه أمريكي لا يحترم توقيع واشنطن على أي اتفاق، سواء كان ثنائياً، أو متعدد الأطراف.. وبغض النظر حتى عن أن الأوضاع في عالم ما بعد كورونا، تتغير بصورة ليست مواتية للمصالح الأمريكية.

*كاتب مصري

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"