لولا الجهل ما كان ويلز

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

د. حسن مدن

ربما يقدّم نموذج المخرج السينمائي الأمريكي أورسون ويلز (1915 – 1985)، مثالاً مختلفاً عن ذاك الذي أتينا عليه في مقالنا «من وحي معرض سيزان»، الذي نشر قبل أيام، حين صُدمت عالمة النفس الأمريكية كارول. إس. دويك، المأخوذة بأعمال الفنان التشكيلي بول سيزان، عندما زارت معرضاً لأعماله المبكرة، فوجدت الكثير منها، إن لم تكن غالبيتها، لا يشي بأنه سيصبح الفنان الكبير.

أما أورسون ويلز فلم يكن عمره قد بلغ الخامسة والعشرين حين تعاقد مع شركة «آر كي أو» لإنتاج فيلمه الأول «المواطن كين»، ولم يكن قد أخرج أو مثّل في أي فيلم سينمائي من قبل، ليغدو الفيلم عملاً تجريبياً تمرّد فيه على ما هو متبع من أساليب تقليدية في الإخراج السينمائي، لا سيّما أن الشركة المنتجة منحته حرية الإبداع ولم تقيّده بأية قوالب، ليصبح واحداً من أفلام قليلة بقيت في الصدارة طويلاً وما زالت، على الرغم من مرور أكثر من ثمانين عاماً على إنتاجه، بعد عرضه لأول مرة في عام 1941؛ بل إن هناك من يعدّه من أعظم ما أنتجت «هوليوود»، إن لم يكن الأعظم على الإطلاق، لما ابتكره مخرجه من وسائل فنية تأثر بها مخرجون مشهورون على مرّ العقود، فقبله كانت الأفلام تسير وفق ترتيب زمني مباشر من البداية، مروراً بالذروة، ثم الخاتمة، فيما يبدأ فيلم ويلز بمشهد موت البطل، ثم شريط إخباري يشرح حياته بأكملها، كما أنه تجاوز القاعدة المتبعة قبله بالاستعانة ببطلات شهيرات لضمان نجاح الفيلم، فمعظم أبطال الفيلم، من النساء والرجال، لم يكونوا معروفين.

في مقابلة متلفزة مع ويلز لاستيضاح رأيه في أسباب نجاح «المواطن كين»، سيصدمنا ردّه على سؤال عن مصدر الثقة التي أظهرها في الفيلم، التي جعلته مثيراً للانبهار، حيث عزا نجاحه إلى جهله. نعم جهله، قائلاً إنه «لا توجد ثقة تعادل الجهل.. لأنك عندما تكون متمكناً في مجال معين تصبح حذراً ومتردداً». وحين طلب منه أن يشرح كيف للجهل أن يصنع التميّز بالشكل الذي ظهر في فيلمه، أجاب: «اعتقدت بأن الكاميرا تستطيع أن تنتج كل ما تراه العين أو ينسجه الخيال، وإذا بدأت في عالم صناعة السينما من أسفل السلم المهني تتعلم كل الأشياء والمحاولات التي يرفض المصورون إنجازها خوفاً من أن يتم انتقادهم، وفي حالي كان لديّ مصوّر لا يخشى فشل المحاولة، وبسبب جهلي بأن هناك أشياء لا يمكن إنجازها أو تخطيها، حاولتُ أن أصوّر كل الأشياء التي حلمت بها (...)، فقط لأني لم أكن أعرف أنها مستحيلة نظرياً».

[email protected]

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات
https://tinyurl.com/mw665dem

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"